سلسلة (ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟)

الجزء الثالث والأخير

على الأغلب، تجري حياتنا على هذا النحو؛ نتزوّج، نحاول التأقلم مع مسؤوليات الزواج الجديدة وأعباء الاستقلالية، نغوص في أعمالنا ومهمات الحياة اليومية، وما نلبث أن نحمل بين أيدينا طفلنا الأول، حتى نحس وكأنه قفز إلى الحياة فجأةً، وصار يزاحم أوقاتنا ويسحب طاقاتنا، ويسرق حتى النوم من عيوننا ليلاً، فندخل في دوّامة تلبية متطلباته المرهقة التي تُحدث تسارعاً كبيراً في واجباتنا كأمهات وآباء في وقتٍ قصيرٍ جداً.

يمضي الوقت فإذا بالطفل الصغير قد أكمل العامين من عمره، وبدأت تحديات التربية بالظهور شيئأً فشيئأً، وفي كثيرٍ من الأحيان يجد الأهل أنفسهم أمام تضاربٍ في الأساليب التربوية وعشوائيةٍ في الاستجابة لحاجات هذا الطفل ومشاعره، فقد تجد الأم مهتمة بوضع قوانين معينة في المنزل وتصرُّ عليها مع طفلها بينما يميل الأب إلى التساهل والحرية المطلقة، وقد تهتم الأم بمشاعر طفلها وأحاسيسه بينما يتبنى الأب مبدأ الخشونة مع طفله وإنكار مشاعره وعواطفه حتى يكون رجلاً في المستقبل.


لكن دعونا نأخذ لحظة تأمل ونجلس مع أنفسنا ونفكر: من أين تولّدت لدينا هذه المبادىء التربوية؟

يخبرنا الدكتور- باول سي. هولينجر- في كتابه (ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟) الذي نتناوله في هذه السلسلة، أن لذكريات طفولتنا ومشاعرنا في صغرنا وطريقة تعامل والدَينا مع إشارات انفعالاتنا المختلفة تأثيرٌ عميق على فكر التربية الذي نتبناه عندما نكبر، لذلك لا بدّ لنا أن نكون واعين لتلك الترسبات العميقة (الإيجابية منها والسلبية) المؤثرة علينا، وأن نبذل بعضاً من الوقت في فهمها والتدقيق في تفاصيلها المختبئة في زوايا أعماقنا.

فلنأخذ مثالاً على ذلك: لنفترض أن “أحمد” كان يعيش في أسرة تتطلّب ظروفها المعيشية أن يغيب والدهم عن المنزل طيلة أيام الأسبوع، لم يعتد “أحمد” أن يقوم والده بأي دور تربوي في حياته، إضافةً إلى أن والده لم يحاول تعويض أبنائه عن غيابه في أيام عطلت، بالتالي فإن جلُّ التربية التي تلقّاها “أحمد” كانت من والدته، عندما كبر وأصبح أباً لم يعرف “أحمد” كيف يتعامل مع أطفاله، ولم يعرف ما هو دور الأب الذي يجب أن يقوم به، ولم يفهم سبب اللوم الدائم الذي يتلقاه من زوجته وصيغة التقصير الكبير والبُعد الجاف عن أطفاله الذي تصفه به، لم يعِ أحمد حجم تأثير التربية التي تلقاها في طفولته على تربيته هو لأبنائه.

إنه من العجيب حقاً أن ما نقدمه لأبنائنا وطريقتنا في تربيتهم لا تؤثرعليهم فقط، بل على تربيتهم لأبنائهم في المستقبل أيضاً! وكأنه إِرثٌ متناقلٌ جيلاً بعد جيل. ومن العجيب أيضاً أن هناك جانباً غير واعٍ في داخلنا، لا يظهر لنا مباشرةً فور التفكير فيه.

فإذن كيف لنا استثارة هذا الجانب اللاواعي وإخراجه إلى السطح؟ وكيف نستطيع تكوين الوعي حول الطرق التي نستعملها في تربية أطفالنا وما إذا كانت قد تأثرت بما مررنا به نحن في طفولتنا؟ سأذكر لكلا الوالدَين –آباء وأمهات- بعض النقاط المساعدة على ذلك:

أولاً: فكّروا في فترة طفولتكم:
أعطوا أنفسكم وقتاً كافياً لاسترجاع أيام الطفولة، وطرق استجابة والدَيكم لمشاعركم وفكّروا ملياً بكل التفاصيل:
ما الأشياء التي أحببتموها في طريقة تربيتكم، وما الأشياء التي كرهتموها؟ في تربيتكم لأبنائكم ما الأشياء التي ستغيرونها، وما الأشياء التي ستبقوا عليها؟ كيف كانت استجابة والدَيكم لانفعالاتكم؟ مثلاً شعور الغضب، هل قام والداكم بكبته أم تجاهله أم استبدله بمشاعر أخرى أم زاد من حدته أم ردّ على الغضب بغضب مثله؟ قد يستغرق هذا الأمر شهراً أو حتى شهرين قبل أن تبدأ الأفكارالعميقة بالظهور إلى السطح، لذا لا تستعجلوا في هذه الخطوة، ستكشف لكم هذه التساؤلات الكثير وستغير من علاقتكم مع أطفالكم بالتأكيد.

ثانياً: تقمّصوا دور من يقدم النصيحة:
(النصيحة هي الفن الذي يتقنه الجميع)، غالباً ما يكون اسداء النصائح أسهل من العمل به، لذا تخيّلوا أن هنالك زوجين يطلبان منكم النصيحة في تربية أبنائهما ماذا ستقولون لهما؟ وما هي الأسئلة التي ستطلبون منهما أن يطرحاها على نفسيهما؟

ثالثاً: فكّروا: ما هي النصيحة التي رغبتم في إسدائها لأهلكم؟
ما الطريقة التي تودّون لو أن والديكم استخدماها بشكل مختلف في تربيتكم؟ وما الأشياء التي لم يفعلاها؟ ربما تشعرون بعدم الراحة لانتقاد والديكم لأنكم تعتقدون أن هذا يعتبر فظاظة منكم ونكراناً للجميل، لكن في الحقيقة إن اعتراضكم على بعض التفاصيل في تربيتهما لا ينتقص أبداً من فضلهما ولا يلغي معنى امتنانكم لهما ولكل ما قدماه لكم، لكنها طبيعة البشر يصيبون في نواحٍ ويخطئون في أخرى.

رابعاً: اسألوا أنفسكم: لماذا تريدون إنجاب الأطفال؟ وكيف تتخيّلون مستقبل طفلكم؟
من المهم تكوين الوعي تجاه الدافع الذي قمتم بالإنجاب لأجله، مثلاً: هل تنتظرون من أطفالكم أن يقدموا لكم الصحبة والرعاية في الكبر؟ أم المجد الذي تقطفون ثماره؟ أم الاعتبار؟ أم المرح؟ أم الشعور الأكمل بالأمان ضمن نطاق العائلة؟ من المهم أيضاً أن تسألوا أنفسكم عن تخيلاتكم عمّا سيكون عليه أطفالكم في المستقبل، هل سيكونون أطباء أم معلمين أم مهندسين أم فنانين أم لاعبي كرة قدم أو غيره، هل سيكونوا هادئين أم مفعمين بالنشاط أم مضحكين أم وسيمين؟ هذه التخيلات تجعلكم قادرين على معالجة كل ما قد يبدد آمالكم بمشاعر أقل من خيبات الأمل أو الغضب، وسيكون تقديم الطفل ضحية بريئة لهذه الدوافع والتخيلات أقل أيضاً، وتساءلوا: هل تخيلاتكم عن أطفالكم تنبع من مخاوفكم الشخصية؟ هل لها علاقة بطفلكم وقدراته ومواهبه أم هي مجرد انعكاس لما ترغبون أن تكونوا أنتم عليه؟

خامساً: أكثروا من القراءة والتعلم عن تربية الأطفال:
قد يبقى أسلوب تربيتكم محصوراً ضمن نظام مغلق قائم على الطريقة التي تربيتم عليها وعلى خيالاتكم، ما لم تقوموا بتلقي النصائح والمعلومات الخارجية من مصادر ذات علاقة، والقراءة والبحث الدائم عن كل ما يمكن له أن يفيدكم كآباء وأمهات.
كل ما تقدّم ذكره يتمازج سوية ليصوغ سلوككم مع طفلكم، فإذا لم تخضع هذه الأمور السالفة الذكر للدراسة منكم والنقاش التفاعلي بينكم، قامت هي بصياغة سلوككم صياغةً آلية، وهذا ما يطلق عليه (نزعة التربية الأبوية – أو الوالدِيّة – الذاتية) حيث أنها مزيج من:

  • تجارب الطفولة المستمرة مدى الحياة، فلا تقتصر على كيفية معاملة الوالدَين في مرحلة الطفولة، بل كيف يعاملاكم الآن أيضاً.
  • توقعاتكم وتخيلاتكم عن خصائص الأم الكاملة والأب الكامل، وتوقعاتكم عن خصائص الطفل الكامل.
  • مزاجكم وشخصياتكم.

فلا بدّ للزوجين أن يشاركا بعضهما البعض برواسب التربية التي تلقياها في صغرهم، وبكل ما يحملانه من فكر وتخيلات عن التربية، وأن يتبادلا النقاش عن الطريقة الأفضل لتنقيح الأساليب التربوية التي عهداها من خلال صقلها بالعلم والثقافة للوصول إلى التطوير والتحسين فيها.

كانت هذه السلسلة تلخيص لأهم الأفكار الواردة في كتاب (ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟)، أقدم شكري لكل من تابع أجزاءها الثلاثة وأتمنى أن أكون قد قدمت لكم الفائدة المرجوّة، أمنياتي لكم بالنماء والتطور جنباً إلى جنب مع أطفالكم.


هديل قاسم
كتاب: ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟
المؤلف: باول سي. هولينجر

اضغط هُنا لقراءة الجزء الأول

اضغد هُنا لقراءة الجزء الثاني

قد يعجبك أيضا