سلسلة (ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟)

الجزء الثاني

أطفالنا الرُّضّع مُفعمون بالمشاعر والانفعالات، تُترجمها لنا تعابير وجوههم وملامحهم، يرسلونها لنا منتظرين منا الإستجابة لهم والتفاعل معهم، هذا ما عرفناه من المقالة الأولى من سلسلة أهم الأفكار الواردة في كتاب (ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟). سنتعلّم اليوم الطُرق المساعدة لتحقيق أفضل تواصل مع أطفالنا الرُّضّع.

من المهم لنا كمُربّين أن نُشعر أطفالنا بتواجدنا معهم وتفهمنا لهم، حتى ينعموا بالإحساس بالدعم وبأنهم ومنذ أيامهم الأولى يمكنهم الاعتماد علينا واللجوء لنا في كل ما يدور في خلدهم من مشاعر وأفكار.

تتلخص الطرق الصحيحة للاستجابة لتفاعلات الأطفال الرُّضّع والتفاعل معهم بخمسة مفاتيح رئيسية هي:

  • تشجيع الطفل على التعبيرعن كافة الإشارات الإيجابية والسلبية.
  • زيادة إشارات الفرح (مثل الاهتمام والاستمتاع) إلى أقصى حد ممكن.
  • الإستجابة لإشارات طلب المساعدة (مثل المعاناة والخوف)، ومعالجة الأسباب التي تثير تلك الإشارات.
  • ترجمة معاني تلك الإشارات ترجمة شفهية بالتحدث مع الطفل عنها بأسرع وقت ممكن ووصف المشاعر وتمييزها.
  • إدراك الرغبة العميقة لطفلك بأن يكون مثلك.

فلنتحدث بتفصيل أكبر عن كل مفتاح على حدة:
المفتاح الأول: السماح بالتعبير عن كافة الإشارات تعبيراً كاملاً ومعقولاً:
كيف سيكون شعور طفلك الرضيع إذا رآك تمسك بسيارته ذات العجلات الدوارة وتخبره بأن دورانها مثيرٌ للإهتمام فعلاً وممتع، تماماً كما يراها هو؟
لا بد أنه سيشعر بأن ما يلفت انتباهه هو فعلاً هام، وبأن والديه يصادقان شعوره واهتماماته، وهذا سيعطيه فرصة أكبر ليفهم نفسه أكثر ويعي قدراته.

وبنفس الطريقة يجب التعامل مع إشارات طلب المساعدة، فقد يقع بعض المربين بخطأ إنكار الشعور السلبي لدى أطفالهم كمحاولة لإعانتهم على التغلب عليها، لكن هذا الأمر في الحقيقة يزيد الأمور سوءاً، حيث أن إجبار الأطفال على إنكار مشاعرهم السلبية وكبحها يولد لديهم تزايداً فيها وقد تتحول إلى غضب وكآبة ولربما لانطواء أيضاً.

إذاً ما الحل؟ كيف أساعد طفلي عندما يُعبّر لي عن شعوره بالخوف أو الغضب أو الاشمئزاز؟

الحل كما يخبرنا الدكتور – باول سي. هولينجر – هو بالإعتراف بشعور الطفل ومن ثم إعادة توجيهه.

دعونا نترجم هذا بأسلوب عملي:
فلنفترض أن طفلك يسترعي اهتمامه اللعب بالأواني والصحون والاستمتاع بسماع صوت ارتطامها معاً، بدلاً من إحباط شعوره بالمتعة والاهتمام وافقه أولاً على أنها فعلاً جميلة وتصدر صوتاً مميزاً، ثم وفّر له بديلاً مشابهاً مقبولاً بالنسبة لك كلعبة الأواني والصحون البلاستيكية مثلاً.

أو قد يبدأ طفلك بالبكاء خوفاً عند مشاهدته كلباً في الطريق العام، فبدلاً من إنكار مشاعره وإخباره بأنه لا يوجد شيء يستدعي الخوف والفزع، أخبره بأنك تفهم شعوره “هذا الكلب حجمه كبير وصوته مختلف وعالٍ قليلاً، أليس كذلك؟ “
وهكذا، كلما تجنبنا كبت مشاعر أطفالنا إلى أبعد درجة، زادت ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على إدراك الأشياء وتقييم الأحداث من حولهم بطريقة صحيحة.


المفتاح الثاني: زيادة إشاراتي الاهتمام والاستمتاع إلى أعلى حد ممكن :
يتلخص هذا المفتاح بملاحظة المربين لكل ما يجذب انتباه طفلهم مثل الحيوانات أو الأواني وغيرها، والبحث عن فرص لتكرار هذه الأنشطة الممتعة، وكم سيكون مساعداً له على النماء والتطور أن تقوم أنت وطفلك معاً باكتشاف المزيد من هذه المنبهات المفضلة لديه وتقديم أنشطة وتجارب مماثلة.

قد يتساءل البعض ويقول: ماذا لو كان اهتمام طفلي يتعلق بشيء يحدث الفوضى أو الأذى؟
في هذه الحالة لا تصادر احساسه بالمتعة، بل خفف من اهتمامه أو أعطه بديلاً آخراً ولكن بطريقة تشعره بأنك سعيد بما يهتم له ويسُرّك أنه يقضي وقتاً ممتعاً.

فلنأخذ هذا المثال:
في حال وجدت طفلك الصغير يمسك بأحد كتبك المفضلة ويستمتع بلمس أوراقه وتمزيقها والإنصات للصوت الناتج عن ذلك، تذكّر: “صادق شعور الاهتمام لديه” إنه كتاب رائع، ما أنعم صفحاته وما أجمل صوره، أراك تستمتع بصوت التمزيق، أليس كذلك؟ “
ثم أعطه بديلاً آخراً وأنشطة مماثلة مقبولة “هذا الكتاب يخصني ولا يجب تمزيقه، ولكن تستطيع أن تأخذ هذه الأوراق الملونة الجميلة، اصنع بها ما يحلو لك”


المفتاح الثالث: إزالة مثيرات الانزعاج والمعاناة:
لا تنسوا أنكم مصدر الحماية والأمان لأطفالكم، فإذا واجهتهم أي مشاعر خوف أو معاناة، بادروا بإزالة المسبب لهذه المشاعر وليس إزالة الاعتراف بها والتعبير عنها.
في المثال السابق الذي ذكرناه عن موقف بكاء الطفل عند مشاهدته لكلب في الطريق العام، بعد تأكيدك لصحة شعوره، قم باختيار طريق آخر بعيداً عن الكلب، أو أطلب من صاحب الكلب أن يمنعه من النباح العالي.


المفتاح الرابع: استخدام الكلمات، حتى مع الأطفال حديثي الولادة:
لا يُعدّ الوقت مبكراً أبداً لتبدأ التكلم مع طفلك، لأن كلماتك ونبرة صوتك وإيماءاتك من شأنها كلها أن تساعد على إيضاح المعنى له، وأنت عندما تخاطب طفلك فإنك تعترف بوجوده ككائن مستقل، فيتنامى إحساسه بذاته، كما أنه سيتعلم كيف يستخدم الكلمات المتنوعة كبديل للإنفعالات المُختلفة، وسيتعلم أنه لا داع للصراخ في كثير من المواقف إذ أن المفردات والكلام من شأنها أن توصل للآخرين ما يشعر به وكيف يفكر بشكل دقيق، وهذا كفيل بأن يجنبه كثيراً من حالات الإحباط التي قد يتعرض لها إذا لم يستطع التعبير عمّا بداخله.

فمثلاً: إذا بكى طفلك لأنه جائع، لا تقُم فقط بإطعامه، بل تحدث معه “إنني أسمعك يا صغيري، هل تشعر بالجوع؟ سأحضر لك شيئاً تأكله”


المفتاح الخامس: إدراك رغبة الطفل في تقليد والديه:
بالنسبة لطفلك، أنت الكون بأسره، أنت القوة التي تشكل إحساسه الناشىء بذاته والتي تُعلّمه كيف يتصرف بالشكل المناسب. ولقد أظهرت أبحاث موسعة قوة تأثير هذه النماذج المبكرة للمحاكاة على الأطفال.

فمثلاً: إذا كانت ردة فعلك على غضب طفلك هي الغضب والصراخ، فبالتأكيد سيعتقد طفلك أن هذه هي الاستجابة المناسبة، وسيقوم بمحاكاتك بردّات فعلك، وسيتعلم أن يرد على مظاهر الغضب بمزيد من الغضب، والنتيجة: طفل يتأذى أكثر وأكثر كلما اشتدت حدة انفعالاته.

كانت هذه هي أهم الطرق المُساعدة للاستجابة الصحيحة لانفعالات أطفالنا.

لا تُهملوها أبداً، وابدؤوا بالتطبيق على الفور.

تابعوني في المرة القادمة لأحدثكم عن مصطلح تَطرَّق له هذا الكتاب وهو مصطلح :(التربية الأبوية الذاتية).

هديل قاسم
كتاب: ماذا يقول الأطفال قبل أن يتكلموا؟
المؤلف: باول سي. هولينجر

لقراءة الجزء الأول

لقراءة الجزء الثالث

قد يعجبك أيضا